اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية.. خطوة نحو تصحيح خطأ تاريخي بعد وعد بلفور المشؤوم
اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية.. خطوة نحو تصحيح خطأ تاريخي بعد وعد بلفور المشؤوم
حرية بريس/ عبد الله حفري
في خطوة تاريخية تعيد تشكيل خريطة السياسة الدولية في الشرق الأوسط، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اليوم الأحد 21 شتنبر، الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، إلى جانب كندا وأستراليا.
هذا القرار، الذي جاء بعد 108 سنوات من إصدار وعد بلفور المشؤوم، يمثل تحولا كبيرا في سياسة المملكة المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، وسط تصاعد الضغوط الدولية لدعم حل الدولتين.
ويعود جذر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى 2 نوفمبر 1917، عندما أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إعلانا يدعم إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، مع التأكيد على الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود، وكان هذا الوعد، الذي يُعرف بالـ”بلفور”، مشؤوما بالنسبة للفلسطينيين وللعرب عموما، إذ أدى إلى بداية عصر استعماري طويل في فلسطين، مدعوما من قبل القوى الاستعمارية.
وقد أثار الإعلان زيادة هائلة في الهجرة اليهودية إلى فلسطين، مما أدى إلى توترات عرقية واجتماعية، وأصبح أساسا للانتداب البريطاني على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم في عام 1922، ومن منظور فلسطيني، يُنظر إلى وعد بلفور كـ”وعد من لا يملك لمن لا يستحق”، إذ أهمل حقوق السكان الأصليين الذين شكلوا الغالبية العظمى من السكان، وأشعل شرارة صراع دام أكثر من قرن، أدى إلى نزوح ملايين الفلسطينيين واستمرار الاحتلال، والإعلان لم يكن مجرد وثيقة دبلوماسية؛ بل كان بداية لسياسة بريطانية أدت إلى تقسيم فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل عام 1948، مع ما رافق ذلك من حروب ومعاناة.
وأعلن ستارمر في كلمة مصورة على منصة إكس: “اليوم، لإحياء الأمل بالسلام للفلسطينيين والإسرائيليين، وحل الدولتين، تعلن المملكة المتحدة رسميا الاعتراف بدولة فلسطين”، ويأتي هذا الاعتراف في سياق جهود دولية، بما في ذلك مبادرة “إعلان نيويورك” السعودية-الفرنسية، وتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وشمل القرار إدراج “دولة فلسطين” في الخرائط الرسمية البريطانية، استبدالا لـ”الأراضي الفلسطينية المحتلة”، ودعوة إسرائيل إلى رفع القيود عن غزة وتسهيل المساعدات الإنسانية، كما أكد ستارمر أن حركة حماس لن يكون لها دور في مستقبل الدولة الفلسطينية، محاولا تحقيق توازن دبلوماسي، وقد أثار القرار غضب إسرائيل، التي وصفته بـ”التحدي لموقفها”، بينما رحب به الفلسطينيون كخطوة تاريخية نحو العدالة.
ويُعتبر هذا الاعتراف ضغطا دوليا متزايدا على إسرائيل لإنهاء الاحتلال، خاصة بعد فشلها في الالتزام ببعض الشروط الدولية.
وهذا القرار أثار جدلا داخليا في بريطانيا، حيث يراه البعض استعادة للدور الأخلاقي البريطاني، بينما يعتبره آخرون مقامرة قد تعقد المفاوضات.
ويبقى السؤال: “هل يكفي هذا الاعتراف لتصحيح آثار وعد بلفور المشؤوم؟”، فالاعتراف الرمزي يحتاج إلى خطوات عملية، مثل دعم اقتصادي ودبلوماسي لفلسطين، وفرض عقوبات على الانتهاكات الإسرائيلية، كما أن حل الدولتين، الذي يدعمه القرار، قد يتضمن تنازلات فلسطينية عن جزء كبير من أرضها التاريخية، مما يثير تساؤلات حول عدالته.
ويمثل اعتراف بريطانيا بعد قرن من الوعد المشؤوم الذي غير مصير فلسطين، خطوة أولى نحو الاعتراف بالمسؤولية التاريخية؛ لكن السلام الحقيقي يتطلب جهودا دولية متضافرة لإنهاء الاحتلال وضمان حقوق الشعب الفلسطيني.
ومع اقتراب اجتماعات الأمم المتحدة، قد تشهد المنطقة تحولات أكبر؛ لكن التاريخ يعلمنا أن الوعود الدبلوماسية تحتاج إلى أفعال ملموسة لتكون فعالة.
