خرج ولم يعد…برلماني من فاس “مختفون” يعود إلى الواجهة من جديد قبل الانتخابات والساكنة ترد الله يرحم من زار وخفف
حرية بريس
منذ انتخابه في البرلمان سنة 2021، دخل النائب البرلماني عن مدينة فاس إلى عالم الصمت والغياب، تاركًا وراءه دائرة انتخابية واسعة كانت قد علّقت عليه آمالًا عريضة، لكنه اختفى فجأة، وكأن الأرض انشقت وابتلعته. لم يعد له وجود بين الساكنة التي منحته ثقتها، حتى أن البعض صار يقترح – بنبرة ساخرة – أن يتم البحث عنه عبر برنامج “مختفون”، في إشارة إلى الغياب التام وانقطاعه عن التواصل مع المواطنين الذين حملوه إلى قبة البرلمان.
الطريف في الأمر أن الرجل لم يأتِ من فراغ، بل دخل المشهد السياسي مزهوًا بمظهره الأنيق ورائحة العطر الفرنسي الذي تفوح منه وخطابه المليء بالوعود والآمال. أقسم بأغلظ الأيمان أنه ليس كبقية السياسيين السابقين ، وأن ثروته لم تجعله ينسى أصوله المتواضعة، فهو “ابن الشعب” ومن أسرة بسيطة الذي عاش طفولة صعبة، ويعرف معنى الحرمان. حكى قصصًا مؤثرة، وصنع من نفسه بطلًا شعبيًا، حتى بدا وكأنه خرج من رواية ملحمية. لكن مع مرور الوقت، انكشفت الصورة: وعوده لم تتجاوز عتبة الكلام، وحكاياته لم تكن سوى أفلام خيالية من تأليفه وإخراجه.
مرّت السنوات بسرعة، والبرلماني في عداد الغائبين. لا لقاءات، لا مكاتب تواصل، لا مبادرات على الأرض. ساكنة دائرته لم تعد تذكره إلا من خلال الملصق الانتخابي الذي ابتسم فيه يوم التصويت. البعض وصفه بأنه “نائب من ورق”، وآخرون شبّهوا اختفاءه بفيلم “خرج ولم يعد” الذي جسده يحيى الفخراني، إذ غاب عن الأنظار وكأن رحلته مع الناخبين انتهت قبل أن تبدأ.
لكن، كما العادة، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود البرلماني الغائب إلى الواجهة. وبدون مقدمات، ودون أن يشرح أسباب غيابه الطويل، بدأ يظهر في بعض المقاهي الشعبية، يلتف حوله من تبقى من “المناضلين” والمقرّبين، ويروي لهم نفس الحكايات القديمة: أنه لم يكن غائبًا عبثًا، بل كان “يفكر في مشاكلهم”، وأنه يقترب من إيجاد الحلول، لكنه بحاجة فقط إلى ولاية جديدة حتى “يكمل ما بدأه”.
المفارقة أن خطابه لم يتغير. الأسطوانة القديمة تتكرر: الوعود نفسها، العبارات نفسها، حتى أسلوب القسم والحديث عن “الأصل البسيط” ما زال حاضرًا. وكأن أربع سنوات من الغياب لم تكن كافية ليتعلم الرجل أن السياسة ليست مجرد مسرحية انتخابية، بل مسؤولية دائمة.
يجوب اليوم الأحياء الشعبية، يحاول أن يستعيد ثقة الناس، متناسيًا أن الثقة لا تُشترى بالكلام، وأن غيابه عنهم كان أوضح دليل على أنه لم يكن يومًا في مستوى الأمانة. ومع ذلك، يجلس في المقاهي، ويستعيد خطاب “ألف ليلة وليلة” الانتخابية، كأنه يعتقد أن ذاكرة الناس قصيرة، وأنهم سينسون بسهولة.
غير أن الواقع مختلف. الوعي السياسي لدى المواطنين لم يعد كما كان من قبل. الناخبون الذين شعروا بالخديعة لم يعودوا ساذجين كما يتصور. سؤالهم البسيط والمباشر: أين كنت طوال الاربع سنوات؟ وأي مشروع يمكن أن يكتمل إذا لم يظهر أثره في نصف عقد تقريبا؟
العودة المتأخرة للبرلماني، إذن، ليست سوى فصل جديد من مسرحية انتخابية قديمة. بين غياب طويل، وظهور مفاجئ، وتكرار لنفس الحكايات، يجد نفسه أمام امتحان صعب: إما أن يواجه حقيقة غضب الناس، أو أن يستمر في لعب دور “النائب الغائب” الذي يظهر فقط حين تقترب ساعة الصناديق.
