زلة اللسان أم اعتراف بالهزيمة؟.. عندما تصبح “تندوف” دولة جارة للجزائر

حرية بريس/ عبد الله حفري

في عالم السياسة، حيث تكون الكلمات أشد خطرا من الرصاص، يأتي عبد القادر بن قرينة، رئيس حركة البناء الوطني الجزائرية، ليقدم لنا درسا مجانيا في فن الزلل الدبلوماسي، حيث في تصريح أخير له خلال ندوة صحفية صيفية، قال السيد بن قرينة – وهو السياسي “المحنك” كما يُقال – “إن حدود الجزائر تتآخم دولا مثل ليبيا، تونس، النيجر، مالي، والمغرب… وتندوف”! نعم، تندوف، تلك الولاية الجزائرية التي تحولت فجأة إلى دولة مستقلة في ذهن هذا الرجل. هل هي زلة لسان عفوية، أم اعتراف غير مباشر بأن نظام العسكر الجزائري قد رسم حدودا مع “الجمهورية الصحراوية” المزعومة، ووهب جزءً من أرضه لجبهة البوليساريو؟.

يا للعجب! فمنذ عقود، كان الهواري بومدين (أو بوخروبة، كما يُلقب في بعض الدوائر الساخرة) يحلم بأن يضع “حجرة في حذاء المغرب”، من خلال دعم انفصاليي الصحراء المغربية، وكان يعتقد أن دعم البوليساريو سيُضعف جاره الغربي، ويمنح الجزائر دورا إقليميا بارزا؛ لكن كما يقول المثل العربي: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”، إليكم كيف تفتت تلك الحجرة وأصبحت تُؤذي صاحبها نفسه.

أولا، دعونا نعود إلى الوراء قليلا، في عام 2021، أعلن وزير الخارجية الجزائري السابق رمطان لعمامرة أن الجزائر أنهت ترسيم حدودها مع جميع الدول المجاورة، بما في ذلك “الجمهورية الصحراوية”، نعم، تلك الدولة الوهمية التي لا تعترف بها سوى حفنة من الدول، وتُدار من مخيمات تندوف تحت إشراف الجيش الجزائري، كان ذلك الإعلان بمثابة اعتراف رسمي بأن الجزائر تخلت عن سيادتها على جزء من أراضيها الجنوبية، لتُنشئ كيانا انفصاليا يُدير شؤونه مهربو المخدرات والسلاح، تحت غطاء “النضال من أجل الاستقلال”، واليوم، يأتي بن قرينة ليؤكد ذلك بكل “براءة”: “حدودنا مع تندوف”، كأن تندوف أصبحت دولة جارة مثل مالي أو النيجر، وليست ولاية جزائرية.

يا للغباء الاستراتيجي، فبدلا من أن تكون البوليساريو أداة لإضعاف المغرب، تحولت بقدرة قادر إلى عبء على الجزائر نفسها.

تخيلوا مليارات الدولارات تُنفق سنوياً على دعم هذا الكيان الوهمي، بينما الشعب الجزائري يعاني من نقص في الخبز والوقود و…، ومع ذلك، يستمر العسكر في قصر المرادية في دعم الانفصاليين، متناسين أن هذا الدعم يُعطي المغرب الحق المشروع في استرجاع “صحرائه الشرقية” – تلك الأراضي التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر ظلما في عهد الاستعمار. فإذا كانت تندوف الآن “دولة” مستقلة، فلماذا لا يُطالب المغرب بأراضيه التاريخية، مثل بشار وتندوف نفسها التي كانت جزء من أراضيه؟

وسخرية القدر أن هذا التصريح يأتي في وقت يشهد فيه المغرب تقدما دبلوماسيا هائلا في قضية الصحراء المغربية. عشرات الدول، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا، اعترفت بمغربية الصحراء، بينما تظل الجزائر معزولة في دعمها للبوليساريو؛ بل إن بعض التقارير تشير إلى أن الانفصاليين أنفسهم بدأوا يتمردون على “الأب الروحي” الجزائري، مطالبين باستقلال حقيقي عن تندوف، وإذا ما تجرأ البوليساريو على أي “تهور” ضد المغرب، فمن حق الرباط الرد؛ بل وملاحقة الانفصاليين داخل “دولتهم” الجديدة – تندوف التي وهبتها لهم الجزائر بكرمها المفرط.

إن العسكر والسياسيين الجزائريين، فهم نموذج حي للبلادة السياسية، يتحدثون عن “الوحدة الوطنية”، بينما يقسمون أراضهم بأيديهم، ويصرخون ضد “التدخلات الأجنبية”، بينما يدعمون كيانا يعتمد على المساعدات الإيرانية والكوبية. بن قرينة، بتصريحه هذا، لم يزل لسانه فحسب؛ بل كشف عن غباء نظام يُدمر نفسه من أجل وهم. فالحجرة التي وضعها بومدين في حذاء المغرب، تفتت اليوم وأصبحت شوكة في حذاء الجزائر نفسها، ربما حان الوقت لأن يستيقظ هؤلاء من غفوتهم، قبل أن تبتلع تندوف بقية البلاد!

في النهاية، إذا كان هذا هو “البناء الوطني” الذي يعد به بن قرينة، فاللهم احفظ الجزائر من بنائها! وشكرا لكم على القراءة، فالسخرية أحيانا هي الدواء الوحيد للجنون السياسي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...