فاس بين ركود التجارة وابتزاز “الفوݣيد”: من ينقذ العاصمة العلمية من التهميش والتشويه؟
حرية بريس بقلم سوجاع أحمد
مدينة فاس، العاصمة العلمية والروحية للمغرب، تعيش هذه الأيام مفارقة موجعة. فهي التي كانت عبر التاريخ قبلة للعلماء والحرفيين والسياح، أصبحت اليوم ترزح تحت ثقل الركود التجاري والسياحي، في ظل غياب رؤية حقيقية تعيد إليها حيويتها ومكانتها.
فالأزقة العتيقة التي كانت تضج بالحركة صارت اليوم شبه فارغة. الزائر، سواء أجنبيًا أو مغربيًا، يمر من الأسواق دون أن يحمل معه سوى نظرة عابرة، تاركًا وراءه دكاكين مفتوحة بلا زبائن. هذا الركود لم يعد مجرد أزمة اقتصادية ظرفية، بل صار نزيفًا متواصلاً يهدد استمرارية مهن وحرف توارثها الصناع جيلاً بعد جيل.
وليس الركود وحده ما يؤرق تجار المدينة العتيقة، بل أيضًا سلوكيات المرشدين غير النظاميين، المعروفين بـ”الفوݣيد”، الذين يسيئون إلى صورة المدينة وحرفييها. هؤلاء لا يكتفون بمضايقة السياح وابتزاز التجار بعمولات، بل ابتكروا طرقًا جديدة أكثر خطورة: خلق معارض وهمية بأسماء جذابة مثل “معرض مولاي إدريس”، بينما الحقيقة أنها مجرد محلات خاصة أو دكاكين صغيرة تُسمى زورًا “تعاونيات” أو “معارض”، الهدف منها توجيه السياح بالقوة نحو منتجات معينة مقابل عمولات خفية.
هذا السلوك لا يسيء فقط إلى سمعة الصناعة التقليدية المغربية، بل يضرب أيضًا في العمق ثقة السائح، ويشوّه صورة فاس في عيون الزوار. إذ كيف لمدينة بحجم ومكانة فاس أن تُترك لقلة من المتطفلين يعبثون بهويتها الاقتصادية والثقافية دون رادع؟
وعلى الجانب الآخر، تُصرف الملايير على مؤتمرات ومهرجانات، دون أن يصل أثرها إلى التجار البسطاء في قلب المدينة. فبينما تعيش مدن مغربية أخرى على وقع تنشيط ثقافي وفني صيفي، تبقى فاس ساكنة بلا حركية، أسواقها هادئة، ومقاهيها خاوية، وتجارها يئنون تحت ضغط المصاريف والضرائب.
إن إنقاذ فاس يحتاج اليوم إلى مقاربة متكاملة:
أمنية للحد من تجاوزات “الفوݣيد” الذين يشوهون صورة العاصمة العلمية.
اقتصادية تعيد الاعتبار للتاجر والحرفي، عبر برامج إنعاش حقيقية وليس مجرد شعارات.
ثقافية وسياحية تستثمر في تاريخ المدينة وتراثها، بدل الاكتفاء بالاحتفال المناسباتي.
فإلى متى ستظل فاس تدفع ثمن صمت المسؤولين وتواطؤ المتطفلين؟ وهل ننتظر أن تفرغ الدكاكين، ويغلق الحرفيون محلاتهم، لندرك أننا أضعنا كنزًا حضارياً لا يُقدّر بثمن؟
