أزمة دبلوماسية مشتعلة.. مذكرة توقيف جزائرية وتفتيش حقائب دبلوماسية يكشفان توترات فرنسا والجزائر

أزمة دبلوماسية مشتعلة.. مذكرة توقيف جزائرية وتفتيش حقائب دبلوماسية يكشفان توترات فرنسا والجزائر

حرية بريس/ عبد الله حفري

تشهد العلاقات الفرنسية-الجزائرية توترا متصاعدا في الفترة الأخيرة، خاصة بعد إصدار القضاء الفرنسي مذكرة توقيف دولية بحق دبلوماسي جزائري سابق في يوليو 2025، إلى جانب إجراءات فرنسية أخرى مثل تفتيش الحقائب الدبلوماسية وتعليق إعفاءات التأشيرات. هذه الخطوات أثارت ردود فعل قوية من الجزائر، مما أدى إلى تصعيد دبلوماسي جديد بين البلدين. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل هذه الأحداث وتداعياتها على العلاقات الثنائية.

إصدار مذكرة التوقيف

في 25 يوليو 2025، أصدر قاضي تحقيق فرنسي مذكرة توقيف دولية بحق صلاح الدين سلوم، السكرتير الأول السابق في السفارة الجزائرية بباريس (2021-2024)، بتهمة “المشاركة في منظمة إجرامية إرهابية بهدف التحضير لجريمة أو أكثر”. يرتبط هذا الإجراء بقضية اختطاف المؤثر الجزائري أمير بوخرص، المعروف بـ”أمير دي زاد”، وهو يوتيوبر ولاجئ سياسي في فرنسا، في أبريل 2024 بمنطقة فال دو مارن قرب باريس.

وفقًا لصحيفة “لوموند”، فإن التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT) والمديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) كشفت عن تورط سلوم في عمليات استطلاع وتنسيق لاختطاف أمير دي زاد، بهدف ترحيله قسرًا إلى الجزائر عبر إسبانيا. كما أشارت التحقيقات إلى تورط موظف قنصلي جزائري آخر في كريتاي، مما زاد من حدة الاتهامات.

تفتيش الحقائب الدبلوماسية

في سياق متصل، أثارت السلطات الفرنسية جدلًا كبيرًا باتخاذها إجراءات وصفتها الجزائر بـ”التمييزية وغير القانونية”، تتعلق بتفتيش الحقائب الدبلوماسية الجزائرية. هذه الخطوة، التي أُعلن عنها في أغسطس 2025، اعتبرتها الجزائر انتهاكًا صريحًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، التي تكفل حصانة الحقائب الدبلوماسية من التفتيش. وفقًا لمصادر جزائرية، رفضت الجزائر هذه الإجراءات، مطالبة فرنسا بالالتزام بالاتفاقيات الدولية.

إجراءات فرنسية إضافية

لم تتوقف الإجراءات الفرنسية عند هذا الحد. في أغسطس 2025، علقت فرنسا إعفاءات التأشيرات الممنوحة لحاملي الجوازات الدبلوماسية الجزائرية بموجب اتفاقية 2013، مما اعتبره مراقبون خطوة “انتقامية” تستهدف النخبة الجزائرية. كما طردت باريس عددًا من الدبلوماسيين الجزائريين رداً على طرد الجزائر لـ12 دبلوماسيًا فرنسيًا في أبريل 2025. هذه الإجراءات جاءت بعد اتهامات فرنسية للجزائر برفض التعاون في استقبال مواطنيها المرحلين من فرنسا، مما زاد من حدة الأزمة.

رد فعل الجزائر

ردت الجزائر بقوة على هذه الإجراءات. في 11 أغسطس 2025، أعربت مصادر دبلوماسية جزائرية عن “استياء واسع” من الإجراءات الفرنسية، واصفة إياها بـ”التمييزية وغير المبررة”. كما أنهت الجزائر استفادة السفارة الفرنسية من الأملاك العقارية مجانًا، في خطوة وُصفت بأنها رد بالمثل على تعليق إعفاءات التأشيرات.

علاوة على ذلك، احتجت الجزائر على توقيف موظف قنصلي في فرنسا، معتبرة أن هذه الإجراءات تهدف إلى “تعطيل جهود التقارب” بين البلدين. كما اتهمت الجزائر فرنسا بمحاولة زعزعة استقرارها عبر دعم أنشطة مخابراتية، بما في ذلك تجنيد أفراد لأعمال تخريبية، وهي اتهامات رفضتها باريس.

تداعيات على العلاقات الثنائية

هذه الأحداث أعادت إشعال التوترات بين فرنسا والجزائر، التي كانت قد بدأت تشهد تحسنًا نسبيًا بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي في أبريل 2025. قضية أمير دي زاد، إلى جانب الخلاف حول الصحراء الغربية واعتقال الكاتب بوعلام صنصال في الجزائر، ساهمت في تعميق الأزمة. ويرى مراقبون أن هذه التوترات تعكس تحديات أعمق، مثل الخلافات التاريخية، قضايا الهجرة، والمصالح الجيوسياسية في المنطقة.

الخاتمة

إصدار مذكرة توقيف بحق دبلوماسي جزائري سابق، إلى جانب تفتيش الحقائب الدبلوماسية وتعليق إعفاءات التأشيرات، أدى إلى تصعيد دبلوماسي غير مسبوق بين فرنسا والجزائر. ردود الفعل الجزائرية، التي شملت إنهاء امتيازات عقارية ورفض الإجراءات الفرنسية، تؤكد استمرار التوتر بين البلدين. رغم وجود قنوات حوار مفتوحة، فإن التحديات السياسية والقانونية تعيق استعادة علاقات مستقرة. يبقى السؤال: هل ستتمكن الجهود الدبلوماسية من تجاوز هذه الأزمة، أم أن العلاقات ستظل رهينة الخلافات العميقة؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...