متهم أدار ظهره لرئيس الهيئة وقال له : ومشطبا هاذي

في ركن منزو جلس أحدهم في حالة تأملية، ومعالم الحزن ترتسم علي محياه وتتزاحم في مخيلته صورة فلذة كبده الذي غيبته صداقة السوء وراء القضبان، وعلى مقربة منه رجال اشتعلت رؤوسهم شيبا مجتمعين على المقاعد الاسمنتية المتناثرة، يرتشفون كؤوس شاي، ويتبادلون قصصا دفينة من خواء حياتهم المملة التي زادتها مكائد الأولاد والأحفاد سخرية.

في إحدى القاعات جلس بعض المتابعين في إطار قضية تبديد أموال عمومية على المقاعد الخشبية بكل ثقة وثبات، يتهامسون، يراقبون، من بينهم شخص يفكر بعمق، بوجه شاحب، ونظرات شاردة. بينما هواة الاستمتاع بأجواء المحاكمات، اتخذوا مكانا لهم، وعلامات الشغف الآسر تستولي على قسمات وجهوههم. امتلأت المقاعد، والعيون ترنو باندهاش إلى تلك الصيحة الجهورية لعون الهيئة ..«محكمة»، و إلى القاضى التي بدت عليه مظاهر الهيبة بشعره المشيب. بعد لحظات كسر صوت رئيس الجلسة الصمت المخيم على القاعة، لينتفض أحد المتهمين من مكانه، ويتوجه بخطواته الحثيثة نحو المنصة المخصصة للإستماع للأظناء. يخرج صوته بوهن، وكأنه آت من بعيد، وفي الوقت ذاته يحاول الإصغاء بانتباه، ويرمق الكل بنظرات حذرة. تارة يحاول جاهدا إيجاد مبررات لتصريحات سابقة، وتارة أخرى يستخدم أجوبة ذكية للتخلص من عبء الأسئلة التي يستصعبها. في الوقت الذي كانت فيه قسمات بعض الحضور متصلبة، وكأنهم يطالعون مشهدا لفيلم رعب في السينما، يتابعون كل كلمة وجملة في أجوبة المتهم بدقة متناهية. يترقبون بكل جوارحهم مضامين تصريحاته التي من الممكن أن ترسم لهم مصيرا غير ذلك الذي يتوقعونه.

البعض منهم استبدت به مشاعر متناقضة بين الترقب والانفعال، بينما البعض الآخر استرعته أصوات قريبة للأرجل و هي تشق خطواتها بسرعة باتجاه القاعة، متخيلين أنها لرجال أمن سيعتقلونهم من داخل الجلسة. بعض الأسئلة كانت تفرض على المتهم تقديم بعض الحجج والمستندات ومن بينها سؤال جعله لايكف عن مداعبة ملفاته الشخصية بأنامله الرقيقة مرارا وسط ترقب باقي المتابعين اللذين راحوا يحملقون باستغراب صديقهم المتهم، وهو يحاول جاهدا التنصل من تصريح سابق أمام قاضي التحقيق. في لحظة خاطفة انفجر المتهم غاضبا ومتأففا .. «ومشطبة هاذي عاوناتي»، محاولا الانصراف لمقعده، غير أن قاضى الجلسة نهره بقوة .. «آسي هاذي راها محكمة ماشي سوق .. رجع لبلاصتك» !


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...