سيدي مومن : الهشاشة في آ«خدمةآ» الجريمة

انعطفت الصغيرة مريم بتثاقل شديد من خرجة أحد الأزقة الضيقة في الجزء الشرقي من الكاريان. حملت في كلتا يديها حاويتين متوسطتا الحجم تمتلآن بالماء من «عوينة» قريبة، واتجهت في طريق البيت. ابتسمت في وجهنا رغم أن الأثقال ناءت بها، أكيد من فرط العادة. فمريم الصغيرة التي لا تتجاوز التسع سنوات عمرا، أسرت لنا بأنها مكلفة بجلب الماء بين إخوتها الستة، فيما يكون والدها نائما في تلك الساعة المبكرة من الصباح ! مريم وعائلتها يوجدون ضمن نسبة 80 في المائة من سكان كاريان الرحامنة الذي لا يرتبطون بالماء الصالح للشرب ولا بشبكات الصرف الصحي. الأخ الأكبر لمريم، « ح . ف» 25 سنة، كان قد اعتقل قبل مدة قصيرة في قضية ترويج واستهلاك الأقراص المهلوسة أو القرقوبي، حين أحالت مصالح فرقة مكافحة المخدرات بمصلحة الشرطة القضائية، المنطقة الأمنية البرنوصي زناتة (أناسي سابقا) بالدار البيضاء شبكتين من ستة أشخاص، اشتبه في أفرادها بترويج الأقراص المهلوسة (القرقوبي) ومخدر الشيرا، في محيط المؤسسات التعليمية، واستهلاك المخدرات، والضرب والجرح الخطيرين بالسلاح الأبيض، والتهديد بواسطته. فرقة مكافحة المخدرات استطاعت التصدي لأفراد الشبكة، إذ جرى إيقاف عنصر خطير، بعد أن قاوم رجال الشرطة بسيف كبير الحجم، وتمكنوا من السيطرة عليه واعتقاله، كما اعتقل ثلاثة من مساعديه، وبحوزتهم أقراص الهلوسة، وأسلحة بيضاء، ومبالغ مالية متحصلة من تجارتهم المحظورة، من بينهم أخ مريم. وعند تعميق البحث مع أفراد الشبكة، اعترفوا تلقائيا بمزودهم الرئيسي، وأنهم يعتبرون من مروجي الأقراص المهلوسة والمخدرات بالإعداديات والثانويات والمدارس، في منطقة سيدي مومن، خاصة إعدادية الفقيه القري، حيث يزودون التلاميذ بالمخدرات، بينما البعض منهم ينتهك حرمة المؤسسة، ويتاجر داخل الأقسام. مشاهد من وضع مختل يقسم شارع للا أسماء في حي سيدي مومن، الذي اكتسب شهرة عالمية بعد أحداث «السيبير» الإرهابية، إلى مجموعتين متناقضتين من التجمعات البشرية والعمرانية.

على اليمين باتجاه الطريق السيار، تنتصب بنايات ما يعرف بسيدي مومن الجديد الذي تحترم فيه إلى حد ما الأشكال الضرورية للسكن اللائق والإنساني. حي غير صفيحي أحدث سنة 1983 في اطار أولى مشاريع السكن الاجتماعي. وباستثناء فضاءاته المفتوحة على شارع للا أسماء ومحاوره الطرقية المتفرعة منها، ترزح أزقته الخلفية في وضع متردي، نتيجة استثنائها من التبليط واكتسائها بالأتربة. إلى اليسار يترامى سيدي مومن القديم، الذي يقبع في ترابه أكبر تجمع صفيحي بالمغرب، بنسبة 39 في المائة من حجم البراريك في الدارالبيضاء، البالغ مجموعها 82 ألف براكة، و20 في المائة بالنسبة للمغرب. الملاحظ هنا بقوة، ظاهرة الترامي على الملك العام التي باتت تميز سيدي مومن عن باقي أحياء العاصمة الاقتصادية سيما المقاهي المتاخمة للسوق البلدي و الموجودة على طول شارع للا أسماء. منذ سنة تقريبا أقدم السكان بدورهم على وضع حواجز ومتاريس أمام منازلهم وبدا منظر لأسلاك و الحواجز الإسمنتية التي أغلقت الممرات والأرصفة بالحي وكأن حربا وشيكة تهدد الساكنة. وأمام حياد السلطات في مواجهة هذه الفوضى، قام آخرون بجلب النخيل والأشجار وتثبيتها أمام أبواب بيوتهم غير آبهين بمخاطر حجبها للرؤية بالنسبة لمستعملي الطريق و ما قد يسببه ذلك من حوادث سير، خاصة بالنسبة للأطفال القادمين من المدارس. الحي بأكمله يشهد كذلك ظاهرة تشييد حدائق غير مرخصة أمام المنازل. ويلتجأ الناس في سيدي مومن لهذه العملية لان الحي لا يتوفر على حدائق و مناطق خضراء سوى تلك المربعات التي انتشرت أخيرا على طول شارع لالّة أسماء المحاذي لمقر المقاطعة. مريم ، وبعد الانتهاء من العناء الصباحي في البيت تتجه إلى المدرسة الابتدائية القديمة، حيث تتابع دروسها بالمستوى الرابع ابتدائي. وللمفارقة، و حسب الارقام الرسمية لوزارة التربية والتعليم فإن الساكنة المتراوح سنها بين 6 و 14 في سن التمدرس الأولي والابتدائي تشكل نسبة 22,5 في المائة من مجموع ساكنة سيدي مومن وتتعدى بذلك المعدل الوطني التي لا تتجاوز نسبته 17 في المائة. وهو ما يعني أن نسبة الأمية في سيدي مومن لا تتجاوز 37 في المائة للفئات العمرية التي تتجاوز السن العاشر في الوقت الذي تصل فيه النسبة إلى 55 في المائة على الصعيد الوطني.

بالمقابل لا تتجاوز فيه نسبة المنازل في كل سيدي مومن والمرتبطة بالكهرباء 45 في المائة في وقت يتعدى فيه المعدل الوطني في الربط بشبكة الكهرباء 90 في المائة. وفقط 47 في المائة من البيوت تتوفر على الماء الصالح للشرب في وقت يصل فيه المعدل الوطني إلى 85 في المائة. النسيج الجمعوي في سيدي مومن يثير مشكل الاسواق النموذجية بشكل مثير للانتباه، كواحدة من مشاهد الارتجال في الجماعة. أسواق أنشأت أساسا بهدف التقليل أو القضاء على ظاهرة الباعة المتجولين، لكن الأمور انعكست رأسا على عقب. والسبب، حسب المصادر الجمعوية دائما، ضلوع بعض ممن يدعون تسيير جمعيات المجتمع المدني في خروقات عديدة، كاستفادة أشخاص قلائل من أبناء المنطقة، أما الباقي فقد تم تفويته لاشخاص لا علاقة لهم من بعيد أو قريب بسيدي مومن وليسوا من الباعة المتجولين أو الفراشة، وأن هناك أشخاصاً اشتروا المحلات التجارية بطرق ملتوية كالتنازلات وآخرون اشتروا هذه المحلات مع التصريح بأثمنة غير حقيقية (أي تقديم النوار)، بالرغم من وجود مذكرة داخلية تحث جميع ضباط الحالة المدنية ورؤساء المكاتب بعدم المصادقة على كافة العقود المتعلقة بالاسواق النموذجية نظراً للخروقات المرتكبة. مناطق محظورة ليلا !! غياب الإنارة العمومية، أو عدم كفايتها في مناطق بعينها سبب كافي لانتشار الجريمة في النقط السوداء من سيدي مومن. حادث مقتل طالبة على يد لصوص بسبب غياب الإنارة العمومية. الفتاة التي تقطن بالمجموعة 6 بسيدي مومن الجديد كانت في طريقها في ساعة متقدمة من المساء لمنزل أسرتها، حين بشارع للا أسماء لصان يمتطيان دراجة من نوع بوجو 103 ليعمد أحدهما إلى مسك حقيبتها ومحاولة خطفهان مما جعلها تقاومه فلم يجد بد من ركلها أمام شاحنة كانت تسير في الاتجاه المعاكس والتي داستها لتحول جثثها إلى أطراف في مشهد مؤلم. ولاية أمن الدارالبيضاء ومباشرة بعد الحادث الأليم، تقدمت بتوضيح جاء فيه أن «مصلحة الشرطة المداومة لم يتم إخطارها بالنازلة فور وقوعها. كما لم يسجل أي تأخير من جانبها في التدخل. بحيث إن الحادث وقع في الساعة الثامنة والنصف ليلا بالقرب من مسكن الضحية، بيد أن الإخبار بالنازلة كان في حدود الساعة الحادية عشرة ليلا من طرف والدة الضحية وشقيقها». وبمجرد الإخبار بالحادث، تكلفت فرقة الشرطة القضائية فورا بالبحث في القضية طبقا لضوابط الاختصاص الإداري، وهو البحث الذي تم من خلاله الاستماع إلى تسعة شهود عيان بخصوص ملابسات وظروف الحادث.

حي الولاء أو ‘‘التشارك‘‘ يشهد بدوره حالة من الفوضى العارمة، بسبب تشجيع مقاطعة سيدي مومن لعدد كبير من الأشخاص، بينهم الكثير من ذوي السوابق العدلية، على استغلال الشارع العام في عرض سلعهم، كما أنّ هؤلاء المجرمين قد استفاد بعضهم من محلات تجارية في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مما جعل السوق النموذجي يعرف بعض النشاطات المشبوهة، وتوزيع المخدرات والحبوب المهلوسة، إضافة إلى تخصيص فضاء كان في الأصل مخصصا لحديقة عامة إلى زريبة للماشية. من خلال الإفادات المتتالية التي استقتها الأحداث المغربية بعين المكان، الخوف كل الخوف يتجسد في النفوس في معابر الطريق السيار وفي هامش الطرقات المؤدية إليها. شارع الحسين السوسي في سيدي مومن يصبح محظورا ابتداء من ساعات الليل الأولى تحسبا من هجومات محتملة ‘‘ جدا ‘‘ تؤكد الشهادات. الشريط الممتد بين كاريان طوما ودوار السكويلة ومجموعة أناسي السكنية، بؤرة أخرى يتفاداها سكان المنطقة ليلا. وبالرغم من إقامة مجموعة من البنايات السكنية هناك، مازال الشطر الأكبر من هذا الشريط أرضا غير معبدة، وقد تلجأ إليها بعض العصابات لاعتراض سبيل المارة حين تلوح الفرصة. مداخل أحياء سيدي مومن من بورنازيل، وحمارة، والتشارك وأناسي، تعتبر ايضا نقطا خطيرة بعد أن يسدل الظلام ستوره في المنطقة. بالإضافة إلى الفضاء المتاخم مقلع الحجارة الممتد على مساحة شاسعة، والذي أعد خصيصا لتشييد ملعب الدارالبيضاء الكبير قبل أن تتخلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وشركة ‘‘لا صونارجيس‘‘ عن الفكرة، وتحول فضاء الملعب الكبير إلى منطقة الهراويين بإقليم مديونة. الشهادات المستقاة من عين المكان، تفيد بتنامي ظاهرة الإجرام في محيط الحفرة، وإلى حدود مقبرة سيدي مومن بمحاذاة كرياني طوما والرحامنة. ‘‘ ريزو ‘‘ داخلي من داخل كاريان الرحامنة، توقفت الأحداث المغربية عند مشكلة حقيقية تعيق المجهود الأمني في عين المكان. ففي بعض الدروب والأزقة، وفي نواصي الممرات الضيقة يزرع بعض تجار المخدرات بشتى أصنافها أو الكحول، ‘‘ أنتينات‘‘ محلية مكونة من قاصرين أو مراهقين، لمراقبة أي تدخل أمني وشيك، وإبلاغ المعنيين بالأمر في سرعة قصوى. ضيق الممرات داخل الكاريان، يحول مسألة تتبع الخارجين عن القانون والمبحوث عنهم وتجار المخدرات إلى صعوبة حقيقية على افراد الأمن وعناصر التدخلات البوليسية. ويزيد من هذا التعقيد التعرف التام والكامل للمشبوه فيهم من المتابعين على جغرافية الكاريان بحكم انتمائها إليه، وجهل بعض العناصر الأمنية به، وهذا ما يعطي فرصة كبيرة للإفلات من الاعتقالات داخل الكاريان.

وإن كانت الشهادات تؤمد أن التدخلات الأمنية عرفت تناميا ملحوظا في الآونة الأخيرة، وتمكنت في أغلبها من اعتقال المبحوث عنهم حتى داخل كاريان الرحامنة، وهو ما يعني أن أداء العناصر الأمنية تطور كثيرا واكتسب فعالية أكبر. ‘‘ الريزو‘‘ الداخلي للمخبرين الصغار لا يقتصر على كاريان الرحامنة. في مناطق أخرى، صعبة المدارات وبطرقات ضيقة، كطوما والسكويلة، يعرف النشاط الإخباري بين الخارجين عن القانون تناميا مضطردا، دائما حسب روايات سكان المنطقة. ‘‘قرقوبي‘‘ … حشيش … وقاصرون خلال الأسبوعين الأخيرين تمكن عناصر الدائرة الأمنية الأولى من تفكيك شبكتين لتروج الأقراص المهلوسة ومخدر الشيرا. وقوع الشبكتين في قبضة عناصر الشرطة القضائية لم يكن وليد اللحظة. فبناء على تحريات خاصة ومجموعة شكايات من المواطنين تمت مراقبة العناصر المشبوهة في دوار السكويلة وسيدي مومن القديم. وقد تم تقديم سبعة أشخاص في الملفين معا إلى النيابة العامة بتهم حيازة وتجارة المخدرات قرقوبي وحشيش، بالإضافة إلى تكوين عصابيتين إجرامتين وحيازة اسلحة بيضاء دون مبرر واضح. في محيط دوار عريب، في طوما والسكويلة والرحامنة، تنتشر نقط كتعددة لترويج المخدرات والكحول بصورة غير قانونية. المعجون مخدر آخر لا يقل خطورة عن سابقيه، يروج بقوة في منطقة سيدي مومن. كيلوغرامات عديدة وقعت في يد العناصر الأمنية خلال السنة الماضية والأربع أشهر الأولى من السنة الحالية قدرتها مصادر أمنية في أزيد من ثماني كيلوغرامات. تجارة الحشيش ترتبط أيضا بصناعة المعجون حيث تعرف المنطقة تعاونا بين المعنيين بالتجارتين عبلا تمرير كمايت من الأنواع السيئة والرخيصة من مخدر القنب الهندي إلى صناع المعجون لتهيئه للمستهلكين. المعجون في سيدي مومن يكتسب شهرة في المدينة، وعشرات المدمنين من باقي المناطق ينتقلون إلى سيدي مومن للحصول عليه. من المناظر الصعبة على الفهم والمشاهدة في سيدي مومن، تمركز قاصرين في محيط القاعة المغطاة لسيدي مومن في أوقات معينة على هامش تحركات الكبار المعنيين بتجارة المخدرات، وهم مسلحون بأسلحة بيضاء من مختلف الأحجام. في عين المكان، أكد شهود عيان أن بعضهم ينشط في السرقة بالخطف أو يستعملون في توصيل بعض الطلبات لزبناء داخل سيدي مومن أو للقادمين إليها. من يدري فقد يكون أحدهم شقيقا لمريم الصغيرة، التي مازالت تستفيق كل صباح لتحميل حاويتيها المتوسطتين بالماء وإعادتهما للبيت.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...