سارة سلاوي: قراءة مختلفة لدور المحامي في زمن التحولات الاقتصادية
حرية بريس
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، ومع تعقّد العلاقات المهنية وتزايد النزاعات المرتبطة بالشغل والاستثمار، تتقدّم أدوار الكفاءات القانونية القادرة على مواكبة هذه التحولات برؤية علمية وممارسة مسؤولة. وفي هذا السياق، تتجلّى الأستاذة سارة سلاوي كإحدى الأسماء النسائية التي بصمت المشهد القانوني المغربي بمسار يجمع بين التخصص الأكاديمي، الخبرة المهنية، والانخراط المجتمعي.
سارة سلاوي، محامية بهيئة فاس وحاصلة على دكتوراه في قانون الأعمال، راكمت تجربة علمية وميدانية مكّنتها من التعامل مع قضايا دقيقة في مجالات متعددة، واضعة القانون في موقعه الطبيعي كأداة لتنظيم العلاقات وحماية الحقوق، وليس مجرد وسيلة لفضّ النزاعات بعد وقوعها. وقد شكّل هذا التصور أحد مرتكزات مسارها المهني، حيث حرصت على اعتماد مقاربة وقائية تقوم على الصياغة الدقيقة، والتأطير القانوني السليم، واستباق الإشكالات المحتملة.

وفي مجال المالية الإسلامية، راكمت الأستاذة سلاوي خبرة ذات بعد دولي، من خلال اشتغالها على هذا النموذج المالي القائم على مبادئ العدالة، الشفافية، وربط النشاط الاقتصادي بالقيم الأخلاقية. وتعتبر أن المالية الإسلامية لم تعد مجرد خيار نظري، بل إطارًا عمليًا قادرًا على الإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية أكثر توازنًا، وتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في ظل الأزمات المالية المتكررة.
أما في حقل تحرير العقود، فتؤكد تجربتها المهنية أن العقد يظل حجر الزاوية في استقرار المعاملات، وأن أي خلل في الصياغة أو غموض في الالتزامات يشكّل مدخلًا للنزاعات القضائية. ومن هذا المنطلق، جعلت من الدقة والوضوح والتوازن بين الأطراف عناصر أساسية في عملها، معتبرة أن العقد الجيد هو الذي يحمي العلاقة قبل أن يحمي الحقوق.
وانطلاقًا من وعيها بأن القانون لا ينفصل عن التواصل، طوّرت الأستاذة سلاوي مسارًا موازيًا في مجال التواصل والتأثير، حيث راكمت تجربة كمستشارة في هذا المجال، انطلاقًا من قناعة مفادها أن النص القانوني، مهما بلغت دقته، يفقد جزءًا من فعاليته إذا لم يُقدَّم بخطاب واضح ومفهوم. وتسعى من خلال هذا التوجه إلى تقريب القانون من المواطن، وتعزيز ثقافة الحقوق والواجبات، وترسيخ الثقة في المنظومة القانونية.
ولا ينفصل هذا المسار المهني عن انخراطها في العمل الحقوقي والمدني، بصفتها ناشطة حقوقية وكاتبة، حيث تحرص على مواكبة الجمعيات وفعاليات المجتمع المدني، والمساهمة في التكوين والتأطير القانوني، خاصة في القضايا المرتبطة بالشغل، حقوق النساء، والحكامة الجيدة. وترى في المجتمع المدني فاعلًا محوريًا في تكريس دولة الحق والقانون، وفي الدفاع عن القضايا العادلة ضمن إطار مؤسساتي سليم.

وفي امتداد طبيعي لهذا التراكم العلمي والمهني، أصدرت الأستاذة سارة سلاوي مؤلَّفها الموسوم بـ «الفصل من العمل بسبب الخطأ الجسيم في القانون المغربي – دليل عملي وتقني»، وهو عمل علمي وعملي في آن واحد، جاء ليستجيب لحاجة ملحّة داخل المكتبة القانونية الوطنية، بالنظر إلى حساسية الموضوع وتعقيده داخل منازعات الشغل.

فالكتاب لا يكتفي بعرض النصوص القانونية الواردة في مدونة الشغل، بل ينفذ إلى عمق الممارسة القضائية، محللًا كيفية توصيف الخطأ الجسيم، وضوابط إثباته، وحدود السلطة التأديبية للمشغّل، مقابل الضمانات القانونية المكفولة للأجير. كما يتناول الاجتهاد القضائي المغربي بتحليل دقيق، كاشفًا عن الأخطاء المسطرية والموضوعية التي تؤدي في كثير من الحالات إلى إبطال قرارات الفصل أو إعادة تكييفها من طرف المحاكم الاجتماعية.
ويتميّز هذا المؤلَّف بطابعه التطبيقي، حيث يقدّم قراءة تقنية معمّقة للمساطر التأديبية، والإشكالات المرتبطة بالإشعار، والاستماع، والمحاضر، وعبء الإثبات، مما يجعله دليلًا عمليًا موجّهًا إلى المحامين، القضاة، مسؤولي الموارد البشرية، وكل المتدخلين في تدبير علاقات الشغل. كما يوفّق هذا العمل بين متطلبات استقرار المقاولة وضمان الحقوق الأساسية للأجراء، بأسلوب مهني واضح، بعيد عن التنظير المجرد.

وبهذا المسار المتكامل، تمثّل الأستاذة سارة سلاوي نموذجًا للمرأة المغربية التي استطاعت أن تحوّل المعرفة إلى ممارسة فعالة، والمهنة إلى التزام مجتمعي، مؤكدة أن الحضور النسائي في مجالات القانون والاقتصاد والتأثير لم يعد استثناءً، بل خيارًا تفرضه الكفاءة والرؤية والمسؤولية.
